باريس سان جيرمان يفتح دفاعه عن اللقب بسداسية.. ويايا توريه يكتب تاريخه في ليلة هزيمته
حين يتحوّل الرقم إلى خطاب
ستة أهداف مقابل هدف واحد رقمٌ يُقرأ في العادة كخبرٍ عابر من أخبار الافتتاح، لكنه في ليلة "بارك دي برانس" كان أقرب إلى بيانٍ سياسي كتبه باريس سان جيرمان بلغة الأهداف: نحن ما زلنا هنا، وسنُدافع عن التاج الأوروبي كما يليق بمن حمله عامين متتاليين. الفريق الذي دخل الجولة الأولى من دوري أبطال أوروبا 2026-2027 وهو يترنّح محلياً بنقطتين فقط من ثلاث مباريات في الدوري الفرنسي، بدا في القارة العجوز نسخة مختلفة تماماً من نفسه؛ كأن ملاعب أوروبا تستدعي من لويس إنريكي وتلاميذه غريزة القتل التي تغيب أحياناً عن مباريات الأحد المحلية.
هذا التناقض بالذات هو ما يستحق التوقف عنده أكثر من النتيجة نفسها. فريقٌ يعاني من انضباطٍ محلي مهتز، يتحول فجأة إلى آلة تسجيل لا ترحم أمام سلوفان براتيسلافا، في مشهدٍ يعيد طرح سؤالاً قديماً في علم النفس الرياضي: هل تصنع المسرحية الكبرى أضواء أبطال أوروبا، وثقل التاريخ، ووهج المنافسة القارية — دافعاً غير الذي تصنعه الدوريات المحلية؟ إجابة باريس، حتى الآن، كانت حاسمة بما يكفي لتُقلق كل من يواجهه في المجموعات المقبلة.
عثمان ديمبلي وفيران توريس.. حين يلتقي الحدس بالبرودة
لم يكن الانتصار وليد صدفة هجومية عابرة، بل نتاج محورٍ هجومي بدا وكأنه صُمم خصيصاً لتفكيك خطوط الدفاع الوسطى الأوروبية. ديمبلي افتتح التسجيل في الدقيقة 17 بعد أن ارتدت الكرة من القائم عقب محاولة نونو مينديز، ليعاود التسجيل في الدقيقة 23 برأسية تابعت عرضية مرتدة من "درو"، مؤكداً أنه لاعبٌ لا يكتفي بصناعة اللحظة بل يقتنصها أيضاً.
لكن نجم الليلة الحقيقي كان فيران توريس، الذي حوّل مباراة الافتتاح إلى منصة تتويجه الشخصي بهاتريك مكتمل الأركان: تسديدة قريبة من القائم في الدقيقة 31 استثمر فيها عرضية ديمبلي، ثم تسديدة منحنية من حافة المنطقة في الدقيقة 47، قبل أن يختم ثلاثيته بلمسة ركبة غير تقليدية حوّل بها ركنية ديمبلي إلى الشباك في الدقيقة 57. تصريحه بعد المباراة اختصر حالة الانسجام الجماعي أكثر مما اختصر إنجازه الفردي: "من المستحيل أن تتوقع تسجيل هاتريك، كل ما كنا نعرفه هو اللعب بالكثافة الصحيحة والضغط عند فقدان الكرة، وقد فعلنا ذلك جيداً". فابيان رويز أضاف اللمسة الأخيرة في الدقيقة 87 بعد كرة مرتدة داخل المنطقة، ليقفل باريس الحساب عند رقم قياسي يليق بحامل اللقب.
هزيمة يايا توريه.. حين يُكتب التاريخ من موقع الخاسر
بين كل هذه الأرقام، توارى مشهدٌ أكثر دلالة من النتيجة ذاتها: يايا توريه، أسطورة خط الوسط الإيفواري وبطل دوري الأبطال مع برشلونة عام 2009، كان يقف على الدكة المقابلة في أول ظهور رسمي له كمدرب في البطولة القارية، بعدما قاد سلوفان براتيسلافا للتأهل على حساب سيلييه في الدور التمهيدي. بهذا العبور، أصبح توريه أول مدرب إفريقي يقود نادياً إلى الدور الرئيسي لدوري أبطال أوروبا في تاريخ المسابقة — إنجاز لا يقلّ رمزية عن أي هدف سُجّل تلك الليلة.
المفارقة أن الرجل الذي خاض 70 مباراة في البطولة كلاعب، اختار طريقاً طويلاً نحو التدريب بدل استثمار اسمه لمنصب فوري: مساعداً في أوليمبيك دونيتسك منذ 2021، ثم في ستاندارد لييج، ثم مع المنتخب السعودي، قبل أن تأتيه أولى تجاربه كمدرب أول هذا الصيف مع سلوفان. فلسفته التي أعلنها عند وصوله "نريد ممارسة كرة قدم مهيمنة وعدوانية، اللاعبون يجب أن يكونوا النجوم، وأريد دفعهم إلى أقصى حدودهم" انعكست، ولو جزئياً، في رد فريقه: هدف سليمان كامارا في الدقيقة 58، الذي راوغ فيه إيليا زابارني قبل أن يسدد بثقة متجاوزاً حارس باريس ماتفي سافونوف، لم يكن هدف تجميل بقدر ما كان توقيعاً على نيةٍ لم تُكسر رغم فارق الأهداف. فريقٌ يخسر بسداسية لكنه يرفض أن يلعب بعقلية الضحية، هو أقرب وصفٍ لما أراده توريه من أول ليلة أوروبية له.
ما بعد الرقم القياسي
باريس سان جيرمان، الذي يسعى ليصبح ثاني فريق فقط في التاريخ الحديث للبطولة يحرز ثلاثة ألقاب متتالية، أرسل في هذه المباراة رسالة إلى مانشستر سيتي وبرشلونة، الخصمين المرتقبين في أكتوبر، مفادها أن أزمته المحلية لا تُترجم بالضرورة إلى هشاشة أوروبية. لكن الرسالة الأعمق التي غادر بها الملعب لم تكن رقماً ولا نتيجة، بل مشهد مدرب إفريقي يقف على الخط الجانبي لأول مرة في المسرح الأكبر، خاسراً في سجل النتائج، رابحاً في سجل التاريخ وتلك معادلة نادراً ما يكتبها كرة القدم بهذا الوضوح.
د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport